سيد محمد طنطاوي

172

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

للعرب حين بعث من غيرهم « 1 » . هذه بعض الروايات التي وردت في سبب نزول هذه الآيات ، ويبدو لنا أن أقربها إلى سياق الآيات هي الرواية التي جاءت عن الحسن البصري بأن المقصود بالآيات أهل الكتاب ، وذلك لأن الحديث معهم من أول السورة ولأن القرآن قد ذكر في غير موضع أن أهل الكتاب كانوا يعرفون صدق النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم كما يعرفون أبناءهم ، وأنهم كانوا يستفتحون به عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِه . ومع هذا فليس هناك ما يمنع من أن يكون حكم هذه الآيات شاملا لكل من ذكرتهم الروايات ولكل من يشابههم ، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . قال ابن جرير - بعد أن ساق هذه الروايات - ما ملخصه : وأشبه هذه الأقوال بظاهر التنزيل ما قاله الحسن : من أن هذه الآيات معنى بها أهل الكتاب على ما قال ، وجائز أن يكون اللَّه - تعالى - أنزل هذه الآيات بسبب القوم الذين ذكر أنهم كانوا ارتدوا عن الإسلام ، فجمع قصتهم وقصة من كان سبيله سبيلهم في ارتداده عن الإيمان بمحمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم في هذه الآيات ، ثم عرف عباده سنته فيهم فيكون داخلا في ذلك كل من كان مؤمنا بمحمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قبل أن يبعث ثم كفر به بعد أن بعث ، وكل من كان كافرا ثم أسلم على عهده صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ثم ارتد وهو حي عن إسلامه ، فيكون معنيا بالآيات جميع هذين الصنفين وغيرهما ممن كان بمثل معناهما ، بل ذلك كذلك إن شاء اللَّه « 2 » . والاستفهام في قوله - تعالى - * ( كَيْفَ يَهْدِي اللَّه قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ) * للنفي ولاستبعاد هدايتهم إلى الصراط المستقيم وهم على هذا الحال من الارتكاس في الكفر والضلال ، مع علمهم بالحق ، وإيمانهم به لفترة من الوقت . والمعنى : أن اللَّه - تعالى - جرت سنته في خلقه ألا يهدى إلى الصراط المستقيم ، قوما * ( كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ) * أي ارتدوا إلى الكفر بعد أن آمنوا ، وبعد أن * ( شَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ ) * وهو محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم « حق » وأنه صادق فيما يبلغه عن ربه ، وبعد أن * ( جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ ) * أي البراهين والحجج الناطقة بحقيقة ما يدعيه ، من قرآن كريم عجز البشر عن الإتيان بسورة من مثله ، ومن معجزات باهرة دالة على صدقه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم . فأنت ترى أن حالهم التي أوجبت هذا النفي والاستبعاد تتمثل في أنهم كانوا مؤمنين ، وكانوا

--> ( 1 ) تفسير ابن جرير ج 3 ص 340 وتفسير ابن كثير ج 1 ص 379 . ( 2 ) تفسير ابن جرير ج 3 ص 41 .